عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
542
اللباب في علوم الكتاب
والثاني : أنّا بيّنا أنّ الطّاقة هي الإطاقة والقدرة ، فقوله : « وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ » ظاهره لا تحمّلنا ما لا طاقة لنا عليه ، أقصى ما في الباب أنّه جاء هذا اللّفظ بمعنى الاستقبال في بعض الوجوه على سبيل المجاز ، إلّا أنّ الأصل حمل اللّفظ على الحقيقة . وأمّا الوجه الثاني : فإن التّحميل مخصوص في عرف القرآن بالتّكليف ، قال تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ إلى قوله وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ [ الأحزاب : 72 ] ، ثم هب أنّه لم يوجد هذا العرف ، إلّا أنّ قوله : « لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ » عامّ في العذاب والتّكليف ، فوجب إجراؤه على ظاهره ، فأمّا تخصيصه بغير حجّة ، فلا يجوز . وأمّا الوجه الثالث : فإن فعل الشيء إذا كان ممتنعا ، لم يجز طلب امتناعه بالدّعاء ؛ لأنه يجري مجرى قوله في دعائه ربّنا لا تجمع بين الضّدّين . وإذا كان هذا هو الأصل ، فإذا صار ذلك متروكا في بعض الصّور لدليل مفصّل ، لم يجب تركه في سائر الصّور بغير دليل . قوله : « وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا » قال ابن الخطيب : لما كانت الأدعية الثّلاثة المتقدّمة ، المطلوب بها الترك ، قرنت بلفظ « ربّنا » ، وأمّا هذا الدّعاء فحذف فيه لفظ « ربّنا » وظاهره يدلّ على طلب الفعل . فإن قيل : لم لم يذكر هنا لفظ « ربّنا » . فالجواب : أن النّداء إنما يحتاج إليه عند البعد أمّا عند القرب فلا ؛ وإنّما حذف النّداء إشعارا بأنّ العبد إذا واظب على التّضرّع « 1 » نال القرب من اللّه - تعالى - . فإن قيل : ما الفرق بين العفو والمغفرة والرّحمة . الجواب أن العفو أن يسقط عنه العقاب ، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صونا له من عذاب التّخجيل والفضيحة ؛ كأن العبد يقول : أطلب منك العفو ، وإذا عفوت عنّي فاستره عليّ فإنّ الخلاص من عذاب النّار إنّما يطيب ، إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة ، فلما تخلّص من هذين العذابين ، أقبل على طلب الثّواب ، فقال : « وارحمنا » فإنّنا لا نقدر على فعل الطّاعة وترك المعصية إلّا برحمتك . قوله تعالى : « أَنْتَ مَوْلانا » المولى مفعل من ولي يلي ، وهو هنا مصدر يراد به الفاعل ، فيجوز أن يكون على حذف مضاف ، أي : صاحب تولّينا ، أي : نصرتنا ، ولذلك قال : « فانصرنا » ، والمولى يجوز أن يكون اسم مكان أيضا ، واسم زمان . في قوله « أَنْتَ مَوْلانا » فائدة ؛ وهي أنّها تدلّ على نهاية التّذلّل والخضوع ، فلا جرم
--> ( 1 ) في ب : التضريع .